السيد عباس علي الموسوي

359

شرح نهج البلاغة

15 - ( صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة تجارة مربحة يسرها لهم ربهم ) الأيام القصيرة هي مدة بقائهم في الدنيا وما أقصرها من أيام فقد صبر هؤلاء الأتقياء على بلائها وظلمها وحرمانها وصبروا على ما نالهم من أذى أهلها ولكن بعد صبرهم هذه الأيام القليلة كانت الراحة الطويلة في الدار الآخرة حيث كانت عاقبتهم الجنة وما فيها من نعيم . . . ثم استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة وتطبيق أوامر اللّه ووصفها بأنها تجارة رابحة مفيدة لأنها قليلة في ذاتها وفي مدتها بينما عوضها الجنة وهي الكثير وهي أيضا دائمة لا تفنى . . . إنها تجارة مربحة يسرها لهم ربهم وفقهم اللّه وسدّدهم وحببّ إليهم سلوك هذا الطريق الموصل إلى هذه التجارة المربحة وهذه من العنايات الإلهية التي تدفع بهذا الإنسان ليسلك مسلك الخير والهدى . . . 16 - ( أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ) إرادتها لهم من حيث إنها كانت تتزين لهم وتبسط كل وسائل الإغراء من مال ومناصب وجاه أمامهم فكانوا يرفضونها بكل زينتها وما فيها . . . يرفضون الاقتراب منها والخوض في غمارها . 17 - ( وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها ) فإنهم كانوا مشتغلين فيها منهمكين بملذاتها فاستفاقوا من غفوتهم واستيقظوا من نومتهم فتركوا ما كانوا فيه وهجروا كل متع الدنيا وملذاتها وهذا هو فداء لهم من النار ونجاة لهم من عذابها . . أو إنها أشرفت على أسرهم بمتعها فهجروا المتع وفدوا أنفسهم بتركها . . . 18 - ( أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ) هذه صورتهم أثناء العبادة . . إنهم رهبان الليل يصفون أقدامهم في الصلاة . . في صلاة الليل عندما تنام العيون ويسدل الليل ظلامه عندها يقف الأتقياء وعباد الرحمن في خشوع وخضوع ينفردون مع اللّه في مناجاة تخرج من القلب وتحكي عما في الضمير فيها لذة ومتعة تفوق لذات الحياة جميعها . . . إنهم يصفون أقدامهم للتهجد والعبادة في جنح الليل يتلون أجزاء القرآن بخشوع وخضوع وبروّية وهدوء يدخلون على أنفسهم الحزن بقراءته عندما يتلون آيات العقاب وما ينال العصاة وأهل المحرمات . إنهم بقراءة القرآن يدركون الدواء لدائهم لأنهم عندما يقرؤن القرآن يفكرون في الأعمال الصالحة التي تنجيهم من العذاب ويفكرون في الذنوب وعواقبها وما يلحق